الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
14
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مبتكرات القرآن . وجواب شرط إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ دلت عليه الجمل المتقدمة من قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ إلى آخرها ، لأن الشرط لما وقع عقب تلك الحمل كان راجعا إلى جميعها على ما هو المقرر في الاستعمال ، فمعنى الشرط بعد تلك الجمل الإنشائية : إنا أمرناكم بما ذكر إن كنتم مؤمنين ، لأنا لا نأمر بذلك غير المؤمنين ، وهذا إلهاب لنفوسهم على الامتثال ، لظهور أن ليس المراد : فإن لم تكونوا مؤمنين فلا تتقوا اللّه ورسوله ، ولا تصلحوا ذات بينكم ، ولا تطيعوا اللّه ورسوله ، فإن هذا معنى لا يخطر ببال أهل اللسان ولا يسمح بمثله الاستعمال . وليس الإتيان في الشرط بأن تعريضا بضعف إيمانهم ولا بأنه مما يشك فيه من لا يعلم ما تخفي صدورهم ، بناء على أن شأن ( إن ) عدم الجرم بوقوع الشرط بخلاف ( إذا ) على ما تقرر في المعاني ، ولكن اجتلاب ( إن ) في هذا الشرط للتحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان وهي : التقوى الجامعة لخصال الدين ، وإصلاح ذات بينهم ، والرضى بما فعله الرسول ، فالمقصود التحريض على أن يكون إيمانهم في أحسن صوره ومظاهره ، ولذلك عقب هذا الشرط بجملة القصر في قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] كما سيأتي . [ 2 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 2 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . موقع هذه الجملة وما عطف عليها موقع التعليل لوجوب تقوى اللّه وإصلاح ذات بينهم وطاعتهم اللّه ورسوله ، لأن ما تضمنته هذه الجمل التي بعد إِنَّمَا من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما تضمنته جمل الأمر الثلاث السابقة ، وقد اقتضى ظاهر القصر المستفاد من إِنَّمَا أن من لم يجل قلبه إذا ذكر اللّه ، ولم تزده تلاوة آيات اللّه إيمانا مع إيمانه ، ولم يتوكل على اللّه ، ولم يقم الصلاة ، ولم ينفق ، لم يكن موصوفا بصفة الإيمان ، فهذا ظاهر مؤول بما دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة من أن الإيمان لا ينقضه الإخلال ببعض الواجبات كما سيأتي عند قوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 4 ] فتعين أن القصر ادعائي بتنزيل الإيمان الذي عدم الواجبات العظيمة منزلة العدم ،